عداء الطائرة الورقية
- Tagreed Hassan

- 23 hours ago
- 4 min read

عداء الطائرة الورقية
لـ خالد حسيني
ترجمة: إيهاب عبد الحميد
التقييم: ٥/٥
المراجعة:
الرواية بشكل عام متسلسلة الأحداث، مما يصعب على القارئ تجاهلها، إذ يرتبط كل حدث بآخر يفسره ويبرر ما سبقه. ومن مميزاتها أيضاً أن شخصياتها قليلة وسهلة التتبع وغير معقدة، كما أنها مكتوبة ببناء نفسي متماسك، بحيث تبدو ردود أفعال الشخصيات منطقية ومتسقة مع تكوينها النفسي ومسار تطورها داخل الرواية.
تبدأ الرواية باتصال من باكستان يجريه رحيم خان "الصديق القديم للأسرة" يطلب فيه من أمير العودة للحديث معه بشأن أمر بالغ الأهمية، أو (سر) يخصه ولا يحتمل التأجيل. فهل كان هذا السر يستحق من أمير كل هذا العناء للعودة إلى أرض الوطن؟ وهل سيكون هذا السر سبباً في مفاجأة تغير مجرى حياته؟
لم يكن رحيم صديقاً للعائلة فقط، فقد كان السند والعين التي يرى بها بابا "والد أمير ورب الأسرة"، فهو المستشار الأول له في كثير من قراراته، حتى المصيرية منها، كما كان له دور جوهري في التوجيه التربوي لأمير.
تبدأ العلاقة بين بابا وعلي منذ أكثر من أربعين عاماً، عندما تبنى والد بابا علي بعد أن توفي والداه في حادث سير. أما تبدأ الأحداث الفعلية منذ ولادة أمير وحسن، ونشأتهما معاً في كابول، حتى بلوغهما سن المراهقة، ومن ثم انتقالهما إلى مرحلة البلوغ والتحديات التي ظهرت في مرحلة النضوج.
تتمحور القصة حول مفهوم الصداقة بين الذكور في مرحلة الطفولة. توفيت والدة أمير عند ولادته، وبعد أسبوع وُلد حسن، ولم تتمكن أمه أيضاً من إرضاعه لأسباب توضح لاحقاً في الرواية، فقامت مرضعة بإرضاع كليهما في الوقت نفسه، وبهذا أصبح حسن وأمير أخوين في الرضاعة. تربى كلاهما تحت كنف أبويهما في منزل غاب فيه وجود الأم والزوجة، وفي ظل انعدام وجود العنصر النسائي، نشأ كلاهما في ظروف خاصة وعوامل كثيرة مشتركة بينهما. ومع هذا، نرى تجلي حنان الأب في التربية. ورغم وجود البيئة المشتركة بينهما، إلا أن الاختلافات الملحوظة بينهما كانت سبباً لكثير من الصراعات والأحداث، يظهر هذا في طريقة التربية والاهتمامات. بابا ينتمي إلى قبيلة البشتون السنية، وعلي من قبيلة الهزارة الشيعية. وبما أن علي يعمل هو وابنه حسن في بيت بابا، وهنا يظهر لنا الفرق الطائفي والاجتماعي والثقافي، وكيف يمكن للاختلافات التي يفرضها المجتمع أن تؤثر في نظرة الإنسان إلى الآخر وعلاقته به.
يحدث بين أمير وحسن حدث مفصلي يغير مجرى العلاقة بينهما، وهو السر الذي تشكلت حوله هذه الرواية، والذي ظل في طياتهما طيلة تلك الفترة. وما نتج عن هذا الحدث من أحاسيس الذنب والخذلان، أو ما يمكن تفسيره بالغدر أو الخيانة. يظهر لنا كيف يتعامل الأطفال مع الحزن والاكتئاب بشكل نراه عادياً، أو في بعض الأحيان في ردود فعل مبالغ فيها. ومع غياب التشخيص الصحيح لتلك المشاعر والانفعالات التي تحمل في الأعماق إشارة إلى أمور أعمق، قد تتطور في بعض الأحيان إلى سلوكيات خطيرة.
فالطفولة قادرة على تشكيل نمط وفكرة، وبالتالي تكون سبباً في تشكيل شخصية ونمط راسخ، قد يمتد ليكون سبباً في التغير أو في اتخاذ قرارات مصيرية.
الجزء الثاني من الرواية يغوص في مرحلة الغزو السوفيتي لأفغانستان. أيضاً نرى بداية تأسيس حكم الحركة الإسلامية في أفغانستان "طالبان"، والصراعات التي حدثت خلال فترة الغزو السوفيتي، وانتهاءً بحكم طالبان. وما ترتب على هذا الصراع من تشكيل بيئة خصبة للصراعات والتفرقة العنصرية، يظهر لنا الحقد الواضح من قبل طالبان تجاه الشيعة، وما حدث من إبادة وقتل واستباحة وفوضى. فبمجرد إشعال فتنة الحرب أو الغزو، نرى ما يحدث لأرض البلاد من تبعات وويلات.
كيف تعامل الشعب الأفغاني مع هذا الغزو الغاشم، وما أثاره من صدمات على المواطنين. فالكثير من الأفغان اختاروا النزوح واللجوء. ومن هنا نرى القرار الصعب الذي اتخذه بابا للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع ابنه الوحيد أمير، فتتوالى الأحداث بعد وصول بابا وأمير إلى أمريكا، والتغيرات الواقعة وما ينعكس من ذلك سلباً أو إيجاباً في حياتهما.
الرواية تصور حياة اللاجئ الذي لجأ قسراً إلى بلاد الغربة، ومعاناة مراحل التأقلم والألم التي تظهرها الرواية على شكل أحداث ومواقف يومية، وردود فعل إرادية او لا ارادية مرتبطة بالماضي الأليم.
واجه أمير رحلة العودة لينصدم بواقع مرير حل بموطنه الجميل، وفي طريقه للوصول مر بالكثير من الأحداث والذكريات، فقد كانت هذه العودة سبباً في خلق العديد من التساؤلات التي تتمحور حول ما إذا كان والد أمير قد سلك الطريق السليم واتخذ الاختيار الصحيح بالهجرة في ذلك الوقت.
تتمركز الرواية حول فكرة العدل الإلهي، فنلمس حضور هذه الفكرة من خلال مصائر الشخصيات وما تحمله من أبعاد مرتبطة بأفعال الماضي. فكان لأمير نصيب في تقبله لأمر حتمي في شريكة حياته ثريا، لأنه في دواخله كان يشعر أنه يحمل نفس القدر من العار والسر الذي طالما كان يلاحقه.
من الشخصيات المثيرة للاهتمام شخصية آصف، وهو ابن لأب أفغاني من البشتون السنة، وأم ألمانية العرق. اكتسب آصف الملامح البشتونية، مع شعر أشقر وعينين زرقاوين، كما ساد عليه منذ وقت مبكر الفكر النازي، لتمجيده وإيمانه بسيادة عرق معين واضطهاد ما دون ذلك. كُتبت الشخصية بشكل رائع، فقد تتبعنا المراحل العمرية لآصف منذ أن كان مراهقاً، وكيف تطور هذا الفكر لينتهي به المطاف نازياً بنزعة بشتونية.
طرحت الرواية العديد من التساؤلات، منها:
التربية وغياب الأم: كيف يؤثر غياب الأم في تربية الطفل وتكوين شخصيته؟
الصفات الشخصية: هل الصفات التي نمتلكها مكتسبة من البيئة والتربية، أم أن بعضها متأصل أو صفة وراثية في الإنسان ويولد بها؟
تغيير الصفات: هل يمكن أن تتغير إحدى خصال الإنسان مع مرور الزمن؟ وكيف يمكن لهذا التغيير أن يحدث؟
الحب والزواج وتأسيس الأسرة: كيف يمكن أن يختلف مفهوم الحب والزواج وتأسيس الأسرة باختلاف البيئة والظروف، ومن شخص لآخر؟
مفهوم صداقة الطفولة: كيف يتغير مفهوم الصداقة في مرحلة الطفولة مع مرور الزمن وانتقال الإنسان إلى مراحل عمرية مختلفة؟ وهل يمكن لصداقة الطفولة أن تمتد إلى ما بعد تلك المرحلة، أم أنها مرحلة مؤقتة تتلاشى مع مرور الزمن؟
أثر صداقة الطفولة: هل تؤثر صداقات الطفولة في حياتنا المستقبلية؟ وهل يمكن أن تكون سبباً في تشكيل شخصياتنا أو إضافة شيء إلى حياتنا؟
عقدة الذنب: هل يمكن التخلص من الشعور بالذنب أو معالجته؟ وهل يكمن الحل في مواجهة الماضي أو الأشخاص؟
لأجلك. ألف مرة أخرى...



Comments