top of page

سونيا


سونيا: حكاية روسية

لـ هنري جريفيل

ترجمة: عارف فكري

التقييم: ٤/٥

 

المراجعة:

 

تبدأ الرواية بإعلانٍ يطلب معلّماً يقضي فصل الصيف في الريف مع عائلة ثرية تدعى عائلة (الجنرال جوريلين دون). يقرأ بوريس جريبوف إيفانوفيتش الإعلان، ويتجه مباشرةً إلى العنوان المذكور. هناك، يجري مقابلة مع السيدة جوريلين (الأم)، التي توافق عليه فوراً بعد رفضها عدداً كبيراً من المتقدمين السابقين للوظيفة. لم يتردد بوريس في قبول العرض، رغم الأجر الزهيد، لتدريس الابن يوجين، الطفل ذي الأحد عشر عاماً، وتعليم اللغة الفرنسية لأخته الشابة الآنسة ليدي.


لم يكن بوريس يعلم أن قبوله لهذا العرض سيكون سبباً في تغييرٍ جوهري في مجرى حياته، واكتشاف عوالم جديدة في داخله ومشاعره، كما سيكون نقطة تحول في مسيرته العملية والعلمية.


الرواية كلاسيكية ذات طابع هادئ وعذب، فهي قصة عن الحب والخذلان والانتظار، وعن الفقر والغنى، وعن الصداقة والوفاء، كما تتناول الطمع والكبرياء. وقد نُسجت أحداثها بأسلوب سلس لتقدم لنا قصة رومانسية صادقة، بشخصيات مرسومة بوضوح وترابط. فهي تحكي عن كثير من المحاور المهمة في حياتنا، مثل نظرة الناس للحب والارتباط والزواج، وتأثير الفوارق الطبقية والاجتماعية والاقتصادية في توجيه المشاعر والاختيارات المصيرية.  كما تصور المشاعر المختلطة التي يمر بها الإنسان، بدءاً من سحر الإعجاب، مروراً بالوقوع في الحب والتعلق، وصولاً إلى ألم الفراق والانفصال. وقد تجلّى ذلك بوضوح في العلاقة المعقدة بين بوريس وليدي وسونيا.


ما أعجبني في الرواية أن شخصياتها ليست كثيرة، مما يجعلها سهلة التتبع والفهم. كما أن تطور المشاعر والسلوك لدى الشخصيات جاء تدريجياً وواقعيا ًجداً، وبعيداً عن المبالغة أو التحولات المفاجئة غير المقنعة. ومن أبرز مواطن براعة الرواية رسمها لشخصيتين متناقضتين في فهم الحب، متمثلتين في الآنسة ليدي والفتاة سونيا.

فسونيا، الفتاة الصغيرة التي كانت تعمل وتخدم في منزل الجنرال جوريلين، جسدت الحب الطاهر العفيف والصادق، وأظهرت كيف يمكن للحب أن يروّض "وحشاً صغيرًا" ليحوّله إلى فتاة جميلة، مهذبة ووديعة، وهنا يتجلّى سحر الحب الحقيقي.

أما الآنسة ليدي، فقد جاءت مثالاً للكِبر والغرور، إذ اتسمت منذ البداية بالتعالي على جميع من حولها. فهي تمثل سيدة المجتمع المتغطرسة صاحبة المال والجاه والجمال، التي تسعى دائماً إلى لفت الأنظار، دون اكتراث حقيقي بمشاعر الآخرين. وقد ظهر ذلك جلياً حتى في أضعف لحظاتها وأكثرها هشاشة.

إضافة إلى ذلك، برزت شخصية السيدة جوريلين (الأم) بوصفها شخصية دكتاتورية متسلطة، إذ كانت قراراتها المتعجرفة والعشوائية سبباً في تحديد مصير أسرة كاملة، لتتحول نتائج تلك القرارات لاحقاً إلى ندمٍ دفعت الأسرة بأكملها ثمنه.


كما صوّرت الرواية علاقة صداقة جميلة نشأت بين الأمير أرميانوف وبوريس إيفانوفيتش، رغم أنهما كانا يتنافسان على كسب قلب الآنسة ليدي. إلا أن ثمرة ذلك التنافس لم تكن العداوة، بل صداقة صادقة ساعدت بوريس على إدراك الحقيقة ورؤية الأمور بوضوح، مما دفعه إلى إعادة النظر في واقعه والاهتداء إلى الطريق الصحيح، في وقتٍ كان بأمسّ الحاجة فيه إلى الهروب من حالة الشك والتساؤل التي فرضها عليه واقعه المؤلم.


إن العلاقات الإنسانية ليست ثابته، بل قابلة للتحول من الحب إلى الصداقة، أو إلى أي شكل آخر من أشكال العلاقات والعكس، سواء كان ذلك طوعياً أم قسرياً، وهو أمر وارد جداً في الواقع. أن المشاعر الانسانية تتأثر بالواقع المحيط، وبالتجارب والخيبات التي يمر بها الإنسان، وبمدى توافق توقعاته مع الحقيقة مما يجعل القرارات العاطفية عرضة للتبديل أو الانكسار.

ونرى أحيانًا أن من أحبّ بصدق، ولم يحظَ بأي تقدير أو امتنان في العلاقة، يصل في لحظة ما إلى حالة من الانكسار والإنهاك العاطفي، فينتهي به المطاف إلى الانسحاب الكامل، بقناعة تامة وفقدان للشغف تجاه من أحب. وهنا تحديداً تكمن "نقطة اللاعودة"، وهذا ما حدث مع بوريس. 


من المؤلم حقاً أن يُخدع الإنسان باسم الحب، والأشد ألماً أن يُستهزأ بالمشاعر أو يُستهان بها فقط لتحقيق غاية، أو لذة، أو متعة عابرة.


الحب الصادق غالبًا ما يظهر في الوقت المناسب، حتى وإن كان الشخص المناسب حاضراً أمامنا طوال الوقت. وفي كثير من الأحيان يكون الحب قريباً منا أكثر مما نتخيل، لكن تمسكنا بالشخص غير المناسب، ومحاولتنا إقناع أنفسنا بذلك، قد يكونان سبباً في حجب هذه الحقيقة عنا.


الدرس المستفاد من هذه الرواية هو أن يستمتع الإنسان بحاضره، ويركز على بناء وتطوير النسخة الأفضل من نفسه، ويترك للقدر مهمة ترتيب أقداره في الوقت المناسب.


  • اقتباس: روض نفسك على قبول ما حُتم وقوعه وما استحال استرجاعه، واجعل من العلم والعكوف على الدراسة ملاذاً أسمى وأطهر من هذه الملهيات العابرة.


وأخيرًا، كل الشكر والتقدير للأستاذ عارف فكري على هذه الترجمة الجميلة، التي نجحت في نقل الأحاسيس الصادقة للشخصيات وتجسيدها بأسلوبٍ بديع وعذب. كما أن الشروحات التي أضافها لبعض العادات والتفاصيل الروسية في الهوامش منحت الرواية جاذبية أكبر، وساعدت القارئ على تكوين صورة أكثر وضوحاً وعمقاً للأحداث والعالم الذي تدور فيه الرواية.


 


Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

Subscribe here to get my latest posts

Thanks for submitting!

  • Instagram
  • good-reads-icon-28
  • Pinterest
  • Twitter
  • Youtube

© 2025 by Tagreed Hassan

bottom of page